عبد الله الأنصاري الهروي
94
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
وقوله : مراقبا لأمره ، إشارة إلى أنّ العبد ينبغي أن يعبد اللّه لا لأجل شيء يرجوه ، ولا لأجل شيء يخافه ، بل امتثالا لأمر اللّه تعالى ، هذا معنى قوله : مراقبا لأمره ، والمراقبة هي ملازمة نظر القلب في الأمر بصفة الامتثال . وقد ورد في كلام المواقف « 3 » هذا المعنى وهو قوله : أوقفني وقال لي : إذا أمرتك بأمر فامض لما أمرتك به ، ولا تنتظر به علمك « 4 » ، إنّك إن تنتظر بأمري علم أمري تعص أمري ، وإنّك « 5 » إن لم تمض لما أمرتك به حتّى يبدو لك علمه ، فلعلم الأمر أطعت لا للأمر « 6 » ، فالقوم يرون الاعتصام بحبل اللّه هو مراقبة الأمر في أداء الطّاعة والمحافظة على ذلك . ثمّ شرع في ذكر الاعتصام باللّه فقال : والاعتصام باللّه هو الترقّي عن كلّ موهوم ، والتخلّص عن كلّ تردّد . ( 1 ) أشار إلى أنّ مقام الاعتصام باللّه هو فوق مقام الاعتصام بحبل اللّه تعالى ، فلا جرم ترقّى إلى ذكر الاعتصام باللّه فقال : هو الترقّي عن كلّ موهوم ، ومعنى هذا الترقّي أنّ العبد يشهد الحقّ بفناء ما سواه ، فلا يرى غيره إلّا موهوما ، ويرى المحقّق هو وجود اللّه تعالى ، فمن شهد هذا التجلّي العزيز ، فقد ترقّى عن كلّ موهوم ، لكن شرط صحّة هذا المشهد أن يخلص صاحبه من الظنون والشكوك والأوهام ، وإن لا يبقى عنده تردّد في شيء منه ، فما ترقّى عن كلّ موهوم ، هذا معنى كلامه ، واللّه أعلم .
--> ( 3 ) المواقف والمخاطبات ، لمحمّد بن عبد الجبّار النفّري ، المتوفى سنة 354 / 960 ، وقد شرحه العفيف التلمساني ، وله أيضا : مجموعة الأخبار والزيادات ، مقالة في القلب ، كلامه الغريب في المحبّة . ( سزكين مج 1 / ج 3 / ص 108 ) . ( 4 ) في الأصل وفي ( ب ) علمه . ( 5 ) في ( ب ) فإنّك . ( 6 ) المواقف ص 28 ، وفيها كلام كثير ، فانظره .